الشيخ الطوسي

176

تمهيد الأصول في علم الكلام

من مساواة الظن للعلم في جميع ذلك وإذا ثبت ذلك وكان التكليف مما إذا حسن كان وجه حسنه المنافع ومتى قبح فلأجل المضار وجب ان يقوم الظن فيه مقام العلم وقد بينا " حسنه في الشاهد مع غلبة الظن فوجب مثل ذلك مع العلم فان قيل جميع ما ذكرتموه من الضال عن الحق أو الجايع الذي قدم اليه الطعام أو الغريق الذي أدلى اليه الحبل انما هم في مضرة حاصلة وانما عرضناهم لزوالها فإذا لم يفعلوا كانوا على ما هم عليه ولم يزدادوا بذلك ضررا " وليس كذلك التكليف لأنه يحصل عنده ضرر لم يكن حاصلا " ولولاه لم يحصل قلنا كل من عرضناه لنفع من الضال عن الحق أو المحتاج إلى الطعام أو الحاصل في لجة متى لم يقبل فإنه يستحق ضررا " لم يكن مستحقا " له لأنه إذا فوت نفسه الخلاص فيما « 1 » هو فيه استحق الذم من العقلاء والعقاب من الله تعالى ولولا ذلك ما كان يستحقه فبان « 2 » الفرق بين الامرين ، وليس لأحد ان يقول لو حسن ذلك لحسن من الوالدان يعرض « 3 » ولده لسفر « 4 » يربح فيه مع غلبة ظنه انه يغرق أو يقتل في طريقه ويؤخذ المال منه في ذلك وذلك ان منافع الولد ومضاره عايدة إلى الوالد فإذا عرضه للمنافع فلا بد ان ينتفع هو بها أيضا " ويسر بها فإذا علم أو ظن أنه يقتل أو يغرق ويتلف ماله لم يجز ان يختاره لأنه ضرر محض يتعجله « 5 » والتكليف خلاف ذلك لأنه خالص لنفع المكلف ولا نفع « 6 » فيه لله تعالى ولا استضرار بشيئى من أحوال المكلف فبان الفرق بينهما فان فرضنا في الشاهد من يعرض غيره لنفع يغلب في ظنه انه لا يصل اليه ولا يتعدى اليه من ذلك ضرر أجزنا « 7 » ذلك « 8 » مثل الغايب سواء ، غير أن هذا لا نظير له في الشاهد فاما من قال إن وجه قبحه فقد علمه بأنه يؤمن فذلك باطل لأنه لو كان صحيحا " لأدى إلى قبح الامر والنهى في الشاهد لان أحدنا لا يعلم أن غيره يطيع فيما ياءمره ولا طريق له إلى العلم به فكان يجب قبح كل امر في الشاهد وذلك فاسد واما من قال إنه عبث فقوله باطل لان العبث هو ما لا غرض فيه أو ما لا غرض مثله فيه وفي التكليف غرض عظيم وهو التعريض للثواب الذي لا ينال الا به فكيف يكون عبثا " فان قيل أليس من زرع سبخة " مع ظنه القوى بأنها لا يجدى يوصف بأنه عابث ولا ينفعه قوله ان غرض التعريض الانتفاع بالزرع فهلا كان التكليف مثله وقلنا : زارع السبخة « 9 » فعله قبيح وان لم يكن « 10 »

--> ( 1 ) 88 د : هما ( 2 ) 88 د : بان ( 3 ) 88 د : تعرض ( 4 ) 88 د : السفر ( 5 ) 88 د : ويتعجله ( 6 ) استانه : ولا يقع ( 7 ) 66 و 88 د : أخبرنا ( 8 ) 66 د ، " ذلك " ندارد ( 9 ) 88 د : الشبحه ( 10 ) 88 و 66 د : وان الغم لم يكن عبثا "